نخبة من الأكاديميين

40

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

الفرس وتحرير الصليب المقدس من قبضتهم . وقد أُحيطت به هالة ، جاءت بمستوى المهمة التي عُهدت إليه ، وهي في طبيعتها دينية ، أكثر مما تندرج في الصراع السياسي التقليدي بين الفرس والبيزنطيين ، إذ يراها بعض المؤرخين ، بداية للحروب الصليبية الشهيرة . فقد استنفر القيصر الجديد ، بدعمٍ من رئيس بطارقة القسطنطينية ( سرجيوس ) ، القوى المسيحية من الخزر وقبائل القفقاس ، بالإضافة إلى قواته الخاصة ، لخوض حرب مقدسة ضد الفرس « 1 » وسرعان ما اندفعت الحشود البيزنطية ، مستعيدةً المناطق المحتلة في آسية الصغرى ومصر ، فالشام ، انتهاءً بالجزيرة ، حيث جرت المعركة الفاصلة بين كسرى وقيصر في الموصل « 2 » ، ممهدة لدخول الثاني عاصمة الأول ، واسترجاع الصليب المقدس « 3 » . وثمة ما يلفت الانتباه ، هو السرعة التي تمّت فيها الانتصارات ، سواء الفارسية من قبل ، أو البيزنطية في ما بعد ، ومرّد ذلك إلى أن كلَّا من الدولتين عانت عشية هزيمتها صراعات داخلية ، أربكت خططها على جبهة الحرب . وهو ما تجلى غداة المعركة ، حين جرت عمليات انتقامية من جانب الملك الفارسي ، دفعت بمعارضيه إلى خلعه والمناداة بابنه « شيرويه » خليفة له « 4 » . وكانت هذه الحرب معاصرة لهجرة الرسول ( ص ) إلى يثرب ( المدينة ) ، ولم تخلُ من أصداء على الصراع بين الإسلام والوثنية ، وهي بالتالي خاتمة الحروب بين الفرس والبيزنطيين ، بعد خضوع كليهما للمتغيرات العاصفة ، القادمة من الحجاز ، والتي دفعت العالم القديم إلى مرحلة جديدة وتوازنات مختلفة . وليست الحرب ما يختصر فقط العلاقات الفارسية البيزنطية ، ولكن ثمة وجوهاً أكثر سطوعاً عبّرت عنها خصوصاً إبّان المرحلة الساسانية بتفاصيلها المختلفة . وقد أسهب كريستنسن في وصفه لحياة الطبقة الحاكمة في بلاد الفرس ومظاهر الترف المحيطة بها « 5 » ، والتي تعبّر عن الثراء الناجم عن موقع الدولة في حركة المواصلات التجارية بين الشرق والغرب . وكان مألوفاً أن يشهد بلاط الملك ، توافد السفراء والوافدين عليه من الدول القريبة والنائية ، للتداول في المصالح المشتركة ، على غرار ما يُعرف اليوم بالعلاقات « الدبلوماسية » ومنذ القديم كانت التجارة محوراً بارزاً في سياسات الدول الأوربية التي شكّلت سلع الشرق مادة حيوية لها ، ودافعاً إلى مشاريعها التوسعية في هذا الاتجاه ، بغية الوصول إلى منابع تلك السلع . ولم تكن الحرب ، وإن تركت آثارها السلبية على حركة التجارة ، ما يحول دون استمرار الأخيرة في منأى عن الخطر ، إذ غالباً ما كان يجري تحييدها ، التزاماً بالمعاهدات المعقودة في هذا الشأن بين الطرفين المتصارعين . ولعل أكثر ما ينطبق على ذلك سلعة الحرير ، الأكثر رواجاً في روما ثم القسطنطينية ، وإن كانت معرّضةً لارتفاع أسعارها بسبب الضرائب العالية في الأحوال غير العادية . وقد أشار « بينز » في هذا السياق ، إلى تحديد مدن ومحطات « يمرّ بها الحرير الخام دون غيرها ، مثل كالينيكوم في جنوب خسروان ونصيبين في بلاد الجزيرة ، في منتصف الحدود ، وأرتكساتا ودوفن في الشمال عند أرمينية » « 6 » . وهكذا أصبحت مادة الحرير مصدراً في غاية الأهمية للاقتصاد في العهد الساساني ، ولكنها في المقابل باتت عبئاً على البيزنطيين الذين عانوا تصاعد الضرائب عليها ، فضلًا عن طرحها بأسعار باهظة في

--> ( 1 ) الدينوري ، المصدر السابق ص . 106 ، عبد القادر اليوسف ، الإمبراطورية البيزنطية ص . 95 . ( 2 ) الدينوري ، المصدر السابق ص . 107 . ( 3 ) اليوسف ، المرجع السابق ص . 95 . ( 4 ) الدينوري ، المصدر السابق ص . 107 . ( 5 ) إيران في عهد الساسانيين ص . 378 وما بعد . ( 6 ) الأمبراطورية البيزنطية ص . 276 .